الشيخ محمد الصادقي
41
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
249 - فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ الملك عنهم بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ في تلكم الحرب بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي رغم عطش الطريق وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ لا شربا ولا ذوقا فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ولم يطعمه فضلا عن شربه فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ بين من لم يطعمه فهم الأصلحون ، ومن طعمه فهم - إذا - بعدهم ، فالصف الأول إذا للأولين فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ إلا من شربوا منه قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ وهم الذين طعموا منه و قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ وهم من لم يطعمه كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وكما أذن لنا اللّه بما بعث طالوت ملكا وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ في البأساء والضراء دون تفلت عن إيمانهم فيهما إلا صمودا . 250 - وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا هؤلاء الأكارم غير الطاعمين رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً حيث غمسنا الخطر بقلتنا وكثرتهم وَثَبِّتْ أَقْدامَنا على الإيمان محاربين وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ . 251 - فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ والعدد هو عدد الهازمين في حرب بدر ، دون طاقتهم على قلتهم بل بخارقة ربانية وَقَتَلَ داوُدُ وهو من أفضل المؤمنين غير الطاعمين جالُوتَ فلما سقط قائد قوات الكفر سقطوا عن آخرهم وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ روحيا وزمنيا وَالْحِكْمَةَ في ملكه وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ اللّه بما يشاء لباقة وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ كما هنا وكضابطة شرعية لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ على ساكنيها في نواميسهم وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ حيث يفرض عليهم الدفاع عن بأس الكافرين ، ثم قد ينصرهم إذا يشاء . 252 - تِلْكَ آياتُ اللَّهِ تشريعية وتكوينية نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تمشي ممشاهم وتنحو منحاهم بزيادة هي قضية الشريعة الأخيرة حيث تشمل كلها وزيادة . وهنا ندرس من " لَمْ يَطْعَمْهُ " أن الماء هو من طعام كما هو شراب ، ف " طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ " تشمل الشراب إلى سواه مما يطعم ويؤكل ، وأن المطعوم هو أعم من المأكول ، فلم يقل " ومأكول " بل " وَطَعامُ " . ثم " يَظُنُّونَ " تعني ظن القلب ، فان ظن العقل بلقاء اللّه هو أدنى من الإيمان الصالح ، وكما " الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ " ( 2 : 46 ) بيانا للخاشعين ، يعني ظن القلب ، حيث الخشوع هو للقلب والخضوع للقالب . و " فِئَةٍ قَلِيلَةٍ " عدة وعدة ، هي الكثيرة إيمانا باللّه واطمئنانا بإذن اللّه ، فهي الغالبة - إذا - على أية حال ، وكما في حرب بدر وما أشبه ، ثم دفع اللّه الناس بعضهم ببعض ، يعم تشريعه إلى تكوينه ، أن أمرهم بالدفاع عن نواميسهم بشرعتهم ، وعند صالح تطبيقه يؤيدهم في دفاعهم ، ولا سيما في خصوص ما أذن به فيه . ذلك ، فالفئة المحاربة عدّتها الايمانية أقوى من عدّتها ، لا سيما إذا كانت من عدتهم دخلاء يسببون فشلا وانهزاما في المؤمنين ، فلا بد لقائد القوات المسلحة من تسليحات إيمانية صامدة ، قبل عدة العدد باسلحتها الظاهرة .